عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

18

معارج التفكر ودقائق التدبر

أبابيل : أي : جماعات متلاحقات متتابعات من صنف من أصناف الطير . ترميهم : أي : تلقي عليهم ، أو تقذفهم ، فالرّمي يأتي بمعنى إلقاء شيء على شيء ، ويأتي بمعنى قذف شيء على شيء . * قول اللّه عزّ وجلّ : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ( 5 ) أي : فجعلهم ربّك الّذي هو ربّهم وربّ كلّ شيء كعصف مأكول . عرفنا أنّ العصف في اللّغة هو ما تأكله الأنعام والدّوابّ من نباتات الأرض . إنّ تشبية جيش « أبرهة » بعد إنزال العذاب والإهلاك فيه ، بالعصف المأكول ، يقدّم لفكر المتدبّر صورا متعدّدة ، على الرّغم من الإيجاز الشّديد في العبارة القرآنيّة . فالعصف المأكول ، منه ما تبتعله الآكلات من الأنعام والدّواب ، ومنه ما تأكل منه شيئا وتدوس الباقي ، ومنه ما تأكل أوراقه وتترك أعواده وقضبانه ، وكلّ من المأكول والمتروك يقال له بعموم العبارة : عصف مأكول ، على معنى : مأكول كلّه ، ومأكول بعضه دون سائره . فالعصف المأكول أقسام ثلاثة : قسم هضم وتحوّل روثا ، وقسم داست الدّوابّ عليه ، فتقذّر قمامات ، وقسم أكلت أوراقه وبقيت أعواده وقضبانه حطبا ووقودا . وكذلك صار أصحاب الفيل أقساما . * فقسم منهم تفسّخ وأنتن ، وتحوّل حتّى صار مثل روث الدّوابّ والأنعام .